أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
356
الكامل في اللغة والأدب
من جشم بن هوازن بن منصور لقيهم منصرفين كل واحد منهم من وجهه ، فرآه وقد انفرد لحاجته ، فقال : لا أطلب بمعاوية بعد اليوم فأرسل عليه سهما ففلق قحقحه « 1 » ، فقالت الخنساء : فدى للفارس الجشميّ نفسي * وأفديه بمن لي من حميم فداك ألح حيّ بني سليم * بظاعنهم وبالأنس « 2 » المقيم كما من هاشم أقررت عيني * وكانت لا تنام ولا تنيم « 3 » فأما صخر فسنذكر مقتله مع انقضاء ما نذكر من مراثي الخنساء إياه ، قالت الخساء : ألا يا صخر إن أبكيت عيني * لقد أضحكتني دهرا طويلا بكيتك في نساء معولات * وكنت أحقّ من أبدي العويلا « 4 » دفعت بك الجليل وأنت حيّ * فمن ذا يدفع الخطب الجليلا إذا قبح البكاء على قتيل * رأيت بكاءك الحسن الجميلا وقالت أيضا : تعرّفني « 5 » الدهر نهسا « 6 » وحزّا * وأوجعني الدهر قرعا « 7 » وغمزا « 8 » وأفنى رجالي فبادوا معا * فأصبح قلبي بهم مستفزّا « 9 » كأنّ لم يكونوا حمى يتّقى * إذا الناس إذ ذاك من عزّ بزّا « 10 »
--> ( 1 ) القحقح : العظم المحيط بدبره . ( 2 ) الانس : الجماعة الكثيرة . ( 3 ) تنيم : ترى نائمة . ( 4 ) العويل : رفع الصوت بالبكاء . ( 5 ) تعرفني : اضعفني وسل جسمي مستعار من قولك تعرفت العظم إذا أخذت ما عليه بأسنانك . ( 6 ) النهسى : أخذ اللحم بأطراف الأسنان . ( 7 ) القرع : الضرب بسوط ونحوه . ( 8 ) الغمز : النخس بأطراف الأصابع وهذا تمثيل كما أصابها من محن الدهر ومصائبه . ( 9 ) مستفزا : منزعجا ، مفزعا . ( 10 ) من عزّبزّا . أي أن الناس عند اشتداد الأمر وتفاقم الخطب تقول من عزبز .